
يأبى العام 2023 أن يمر دون إثارة توترات جديدة تثير مزيداً من المخاوف بشأن سلاسل التوريد وحركة التجارة الدولية.. تأتي التوترات هذه المرّة في واحد من أهم الممرات الملاحية على مستوى العالم، وهو البحر الأحمر، حيث تتفاقم المخاطر الأمنية جراء الهجمات التي يشنها الحوثيون على السفن التجارية، والتي يقولون إنها تأتي في إطار الرد على الحرب في غزة.
تشكل تلك الهجمات تهديداً مباشراً لحركة التجارة، وبما قد يسفر عن تفاقم الضغوط التضخمية بشكل أسرع مع اضطراب سلاسل التوريد، نظراً لتزايد كلفة الشحن، مع اضطرار السفن إلى سلك طرق أخرى (أطول وأكثر تكلفة)، في الوقت الذي أعلنت فيه شركات شحن عالمية عملاقة عن توقف سفنها عن المرور في المنطقة مع تزايد المخاطر بشكل كبير، وارتفاع علاوة المخاطر هناك والتأمين على السفن.
المشهد في البحر الأحمر يجدد كثيرا من المخاوف بشأن هذا الممر المُهم في العالم، ويلقي بتأثيرات وخيمة ممتدة، بما في ذلك على الدول المُطلة عليه والمستفيدة من حركة مرور السفن، ومع اضطرار شركات إلى اللجوء لطرق أطول حول إفريقيا.
عمالقة الشحن يتخذون القرار الأصعب
من جانبه، يشير مستشار البنك الدولي، محمود عنبر، في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” إلى أن إلغاء شركات شحن كبرى مرور شحناتها من البحر الأحمر -على أثر التوترات الحالية التي تشهدها المنطقة- من شأنه أن يهدد باضطرابات في سلاسل التوريد وحركة التجارة العالمي.
يأتي ذلك لما يمثله البحر الأحمر ومضيق باب المندب من شريان تجارة عالمي رئيسي، وبالتالي فإن أي تهديدات هناك أو تحوّلات أمنية من شأنها أن تنعكس مباشرة على سلاسل التوريد.
وأعلن عديد من عمالقة الشحن عن تعليق رحلاتهم عبر البحر الأحمر، عقب تعرض السفن لهجمات هناك، وفي ضوء التوترات الأمنية المتصاعدة في المنطقة، والتي ترفع علاوة المخاطر، من بين تلك الشركات:
تفاقم الضغوط التضخمية
ويضيف عنبر في معرض حديثه مع موقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”: “تفاقم هذه الأزمة من شأنه أن يعرض إلى مزيد من تفاقم معدلات التضخم، ذلك أن تعطل الشحنات يدفع إلى نقص المعروض على المستوى العالمي، ومع ارتفاع تكلفة الشحن واضطرار السفن وشركات الشحن المختلفة إلى استخدام طرق أخرى بديلة، عادة ما تكون أكثر تكلفة وتستغرق وقتاً، وهذه التكلفة الإضافية بطبيعة الحال لن يتحملها المُنتج، وسوف يتم تصديرها إلى المستهلك، وبالتالي ارتفاع في معدلات التضخم”.
وينظر عنبر إلى مثل تلك التطورات المفصلية باعتبارها حلقة من حلقات الصراع الأوسع في تقديره، ما بين معسكرين شرقي وغربي، وفي ضوء تغيرات على الخارطة الاقتصادية التي يعاد تشكيلها، والتي تعبر عنها العوامل الجيوسياسية الأخيرة، لا سيما الحرب في أوكرانيا، مشيراً كذلك إلى الحرب في غزة وأثرها على تطور الصراع.
وفي مصر، أعلن رئيس هيئة قناة السويس متابعة التوترات عن كثب، مشيراً إلى تحوّل 55 سفينةً للعبور عبر مسار رأس الرجاء الصالح منذ 19 نوفمبر الماضي.
وكان البيت الأبيض قد أفاد، الجمعة، بأن عبور السفن التجارية في منطقة البحر الأحمر قد صار “أكثر خطورة” على وقع الهجمات التي تقع حالياً.
فيما رهن متحدث باسم الحوثيين وقف الهجمات بحدوث تحول إيجابي لجهة فك الحصار عن غزة، مهدداً بمزيد من الهجمات حال استمرار الحرب في غزة.
كما تتوال ردود الأفعال الغربية الغاضبة إزاء تلك الهجمات وتداعياتها الخطيرة، وبما ينذر بتصعيد واسع خلال المرحلة المقبلة، وهو ما دعت إليه فرنسا على لسان وزير خارجيتها، كاترين كولونا، والتي حذرت من أن الهجمات الحوثية في البحر الأحمر لا يُمكنها أن تبقى دون رد.
السيناريوهات “الأسوأ”.. وأسعار النفط
من لندن، يرصد خبير اقتصادات الطاقة، نهاد إسماعيل، في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” السيناريوهات الأكثر خطورة، على النحو التالي:
ويضيف: “يجب القول حتى لو توقفت الحرب غداً وعاد الهدوء والاستقرار للمنطقة ستتجه الأسعار نحو 90 إلى 95 دولاراً للبرميل بسبب توقعات أوبك ووكالة الطاقة الدولية بارتفاع الطلب على النفط الخام خلال العام المقبل 2024 وتخفيضات أوبك وحلفائها”.
ويرى أن “الامر الذي سيكبح ارتفاع الأسعار هو ارتفاع الإنتاج من دول خارج أوبك+ مثل الولايات المتحدة حيث وصل الإنتاج في نوفمبر 12.93 مليون برميل يومياً وسيرتفع إلى أكثر من 13 مليون برميل وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.. وكذلك إنتاج البرازيل المتزايد”.