
كان للصراع الدائر في أوكرانيا الذي أشعلته الحرب الروسية تأثيرات عديدة في الشؤون الدولية، وفي حين يتركز اهتمام العالم على أبرز هذه التأثيرات مثل التداعيات الاقتصادية والتحولات في أسواق الطاقة، هناك تحول مهم لا يلتفت إليه الكثيرون، وهو أن الحرب دفعت دول آسيا الوسطى إلى إعادة النظر في طرق التجارة والمواصلات القائمة.
والحقيقة أن هذا الصراع أصبح يمثل واحدة من أكثر اللحظات محورية بالنسبة لربط دول آسيا الوسطى مع وجهات التجارة العالمية منذ تفكك الاتحاد السوفياتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي.
وقبل نشوب هذا الصراع كانت أغلب الأنشطة التجارية لدول آسيا الوسطى تمر عبر أراضي روسيا لتصل إلى المياه الدولية، لكن الحرب جعلت المرور عبر منطقة الحدود الروسية الأوكرانية أكثر صعوبة.
ووفقا لـ”الألمانية”، زادت العقوبات الغربية على موسكو تعقيد النشاط التجاري لتلك الدول عبر الأراضي الروسية.
لذلك وفي ظل محدودية قدرة موسكو على الانخراط المتزامن في منطقة آسيا الوسطى، أصبحت البيئة مواتية لتنويع وتوسيع شبكة طرق التجارة في المنطقة بحسب التحليل الذي نشرته مجلة ناشونال إنترست الأمريكية للمحلل السياسي إبراهيم مامدوف الباحث الزميل في المركز القوقازي للعلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية.
وهذه اللحظة تمثل فرصة فريدة لصناع السياسة في الولايات المتحدة، ونظرا للأهمية الجغرافية والاستراتيجية لآسيا الوسطى، من المهم للولايات المتحدة أن تساعد على تسهيل إقامة شبكة طرق ومواصلات جديدة داخل هذه المنطقة.
والحقيقة أن منطقة آسيا الوسطى إلى جانب جنوب القوقاز أصبحت ذات أهمية متزايدة لجميع اللاعبين الجيوسياسيين في العالم. فأراضي المنطقة غنية بالموارد الطبيعية ومصادر الطاقة وتضم عددا كبيرا من طرق التجارة وتحتل مواقع جيوسياسية استراتيجية بين أغلب القوى الكبيرة في العالم.
وأطلق الأكاديمي داجمان كرنيفيتش ميسكوفيتش تعبير “منطقة طريق الحرير” في إشارة إلى أهمية مناطق آسيا الوسطى والقوقاز. وقال في مقالة نشرها في عدد الصيف من دورية “حوارات باكو” الأذربيجانية: إنه “مع زيادة البنية التحتية للاتصالات والمواصلات متعددة الأشكال، سواء من حيث الحجم أو نطاق التغطية” ستصبح المنطقة “لا يمكن الاستغناء عنها لتحقيق الطموحات الاستراتيجية للقوى الكبرى التي تحيط بها من كل الجوانب”.
وشهدت الـ18 شهرا الماضية منذ بدء الحرب الروسية في أوكرانيا نشاطا دبلوماسيا محموما من جانب الدول الكبرى نحو هذه المنطقة، التي استضافت مجموعة كبيرة من القمم الإقليمية وعبر الإقليمية على غرار قمة “سي 5 + واحد” التي اقترحتها الولايات المتحدة، حيث يشير حرف سي إلى دول آسيا الوسطى الخمس، وهي: كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان أوزباكستان.
وعقدت قمة “سي5 + الصين” و”سي5 + الهند” و”سي5 + روسيا” و”سي5 + الاتحاد الأوروبي” وقمة مجلس التعاون الخليجي ودول آسيا الوسطى.
في الوقت نفسه، فإن الولايات المتحدة تبدو في موقف أضعف من منافسيها على النفوذ في هذه المنطقة بسبب بعد المسافة. فالمنطقة محاطة بروسيا والصين وأفغانستان وإيران وبحر قزوين.
علاوة على ذلك، فإن الظروف السائدة بما في ذلك ميل روسيا المتزايد لاستخدام القوة العسكرية في سياستها الخرجية، وإصرار إيران على استبعاد الدول الغربية عن المنطقة من أي من الشؤون الإقليمية، وعدم الاعتراف بحكومة طالبان في أفغانستان إلى جانب حجم الحضور الإقليمي الكبير للصين، فإن تدخل الصين في تشكيل طرق المواصلات والاتصالات داخل آسيا الوسطى ينطوي على أهمية كبيرة، حيث سيمثل فرصة كبيرة لكي تحظى الولايات المتحدة بالنفوذ فيها.
ويتناول إيرهيم مادوف الذي يدرس حاليا للحصول على درجة الماجستير في الدبلوماسية والشؤون الدولية بجامعة “أيه.دي.أيه” ثلاثة خطوط مواصلات جديدة في منطقة آسيا الوسطى يجري الحديث عنها حاليا.
الطريق الأول هو: طريق أفغانستان. ففي 18 يوليو الحالي تم توقيع اتفاق ثلاثي بين هيئات السكك الحديدية في باكستان وأوزباكستان وأفغانستان، لبناء خط قطار “ترانس أفغانستان” ويستهدف ربط مدينة تمريز الأوزباكستانية في مدينة بيشاور الباكستانية عبر مزار شريف وكابول في أفغانستان.
ورغم أن هذا الخط يمثل طريقا جيدا للمواصلات في آسيا الوسطى، فإن التحديات المالية في أوزباكستان تشير إلى أن الجدول الزمني لتنفيذه يمتد حتى 2027، كما أن عدم الاعتراف الدولي الواسع بحكومة طالبان الأفغانية سيحد من قدرة الصادرات الأوزباكستانية على الاستفادة من الطريق للوصول إلى الأسواق العالمية.
وفي ظل هذه الظروف التي يفاقهما عدم اعتراف الولايات المتحدة بحكومة طالبان، فقد تتبنى واشنطن طريقا بديلا لطريق “ترانس أفغانستان”.
أما ثاني الطرق التي تناولها التحليل، فهو طريق إيران وهو يمثل خيارا جيدا من الناحية الجغرافية بالنسبة لمنطقة آسيا الوسطى. فإيران توفر لها أقصر الطرق للوصول إلى المياه الدولية بالمرور عبر أراضي دولة واحدة.
لكن هذا الطريق ظل غير مستغل فترة طويلة بسبب النفوذ الروسي على دول آسيا الوسطى وعزلة إيران عن المسرح الدولي.
وهناك طريق آخر هو الطريق القزويني، وهو الطريق الوحيد الذي يتيح الوصول للمياه الدولية دون أن يقتصر على خطوط السكك الحديدية ويمتد عبر بحر قزوين وأذربيجان وجورجيا وتركيا، ثم يصل في النهاية إلى البحر المتوسط والاتحاد الأوروبي. هذا الطريق يمثل مزيجا من السكك الحديدية والنقل البحري لجميع السلع.
وأكدت تطورات قليلة خلال الأعوام الأخيرة الأهمية المتزايدة لاستخدام هذا الطريق. ووصلت مسيرة هذا الطريق إلى لحظة محورية عندما بدأ تشغيل قطار للحاويات جرى اختباره لأول مرة في 3 أغسطس 2015.
ويبدأ هذا القطار الذي ينقل البضائع من مدينة شيهازي الصينية ويمر عبر كازاخستان ويصل في النهاية إلى مدينة باكو الأذربيجانية في طريقه إلى تركيا. وفي وقت لاحق وفي 30 أكتوبر 2017 تأخر حفل تدشين خط قطار باكو-تيبليسي-كارس عدة مرات.
وهذا القطار لم يسهل حركة نقل البضائع بين أذربيجان وتركيا عبر جورجيا فقط، وإنما مهد الأرض لتحسين حركة المواصلات عبر ممر الشرق-الغرب، ويربط أسواق الصين وآسيا الوسطى والاتحاد الأوروبي.
ويصبح السؤال الآن هو كيف يمكن للولايات المتحدة دعم شبكة الموصلات في آسيا الوسطى؟ على الولايات المتحدة اعتبار الطريق القزويني الذين يمر عبر بحر قزوين وأذربيجان وجورجيا وتركيا، طريقا رئيسا للتجارة الدولية بالنسبة لدول آسيا الوسطى. ولتحقيق هذه الغاية عليها إظهار استعدادها للقيام بمجموعة من الخطوات الاستراتيجية.
أولا، يتعين على واشنطن ضخ استثمارات استراتيجية في البنية التحتية للموانئ الإقليمية. وتصل الطاقة التشغيلية للطريق المار ببحر قزوين المعروف باسم “الممر الأوسط” حاليا إلى نحو 5 في المائة من طاقة الطريق البري الذي يمر عبر روسيا المعروف باسم “الممر الشمالي”.
بمعنى آخر، يحتاج بحر قزوين إلى زيادة طاقته التشغيلية بنسبة كبيرة ليصبح بديلا قويا لطريق التجارة الروسي. وإذا أرادت واشنطن ازدهار هذا الطريق على حساب المصالح الروسية، فسيكون عليها ضخ الاستثمارات اللازمة لزيادة طاقة موانئ الشحن الحيوية فيه بما في ذلك ميناء باكو في أذربيجان وميناءي أكتاو وكوريك في كازاخستان وميناء تركمنباشي في تركمانستان.
ثانيا، ينبغي لواشنطن ضخ استثمارات مماثلة في البنية التحتية للسكك الحديدية الإقليمية بما في ذلك عبارات السكك الحديدية. وعبارات السكك الحديدية كما يتضح من اسمها عبارة عن سفن مصممة خصيصا لنقل عبارات القطارات بما تحمله من بضائع من شاطئ إلى آخر. ويتم استخدام هذا النوع من العبارات في بحر قزوين لكن على نطاق ضيق للغاية في الوقت الحالي، ما يعني أنه غير قادر على التحول إلى بديل لطريق التجارة عبر روسيا.
ثالثا، يجب على واشنطن تخصيص مزيد من الموارد الدبلوماسية والاهتمام نحو الانخراط مع الدول التي يمر بها بحر قزوين. وقد أظهرت منصة “سي5 + واحد” نجاحا وفاعلية كمنتدى للحوار، لذلك يجب استمرارها.
كما يمكن أن يتم توسيع نطاقها لتشمل دول أخرى موجودة على الطريق القزويني خاصة أذربيجان بسبب دورها المحوري.
أخيرا، تستطيع الولايات المتحدة، عبر الاستثمار الاستراتيجي والتواصل مع الشركاء المحليين، زيادة الطاقة التشغيلية للطريق القزويني، ليس فقط لتعزيز حركة التجارة وتنويع طرقها وتقوية العلاقات مع الدول الإقليمية، وإنما أيضا لخدمة مصالحها في المنطقة.