
وصلت إلى الحد الأقصى لسقف الاقتراض 31.4 تريليون دولار فى يناير الماضى
الدين العام يبلغ أكثر من 6 أضعاف الإيرادات الفيدرالية.. و94 ألف دولار نصيب المواطن الأمريكى من الديون
تمويل الحروب من أهم أسباب تفاقمها.. وتقارب 130% من الناتج الإجمالى للولايات المتحدة
جيروم باول: فشل الخزانة فى جمع الأموال لسداد الديون سيفتح سيلا من المشاكل
كيفين مكارثى: لن يتم رفع سقف الدين إلا بعد خفض الإنفاق الحكومى
تجاوز الدين الأمريكى حاجز التريليون لأول مرة عام 1981
إدارة بوش الابن تسببت فى زيادة عجز الميزانية بـ3.2 تريليون دولار.. لمواجهة تداعيات هجوم 11 سبتمبر 2001
تدور حاليا معركة شد وجذب بين الرئيس الأمريكى جو بايدن، وكيفين مكارثى – رئيس مجلس النواب وزعيم الأغلبية الجمهورية فى الكونجرس – بسبب رفع سقف حد الدين الأمريكى، حيث يصر بايدن على رفع سقف الدين بدون شروط، قائلا: «إن الدين الذى ندفعه تراكم على مدى 200 عام، وسنجرى نقاشا بسيطا حول ذلك مع زعيم الأغلبية الجديد فى مجلس النواب»، ورد عليه كيفين مكارثى فى تغريدة موجهة للرئيس إنه قبل دعوته «للجلوس ومناقشة زيادة تتسم بالمسئولية فى سقف الديون لمعالجة الإنفاق الحكومى غير المسئول».
وقالت كارين جان بيير- المتحدثة باسم البيت الأبيض – إن الرئيس قال مرات عديدة، إن رفع سقف الديون ليس محل مفاوضات، إنه التزام على هذا البلد وزعمائه لتجنب الفوضى الاقتصادية
ويرى العديد من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين، أن تلك المشكلة سيتم حلها فى اللحظات الأخيرة، مثلما يحدث فى كل مرة يطلب من الكونجرس فيها رفع حد سقف الدين القومى، والذى وصل إلى 31.4 تريليون دولار، وهو ما يطرح عدة تساؤلات أولها كيف وصلت ديون أقوى الاقتصادات إلى ذلك الرقم المخيف؟ وما نسبة الديون الداخلية من إجمالى تلك الديون؟ وما تأثير ذلك على الاقتصاد الأمريكى نفسه، وعلى الاقتصادات العالمية، وعلى دول العالم التى يمثل الدولار أكثر من نصف احتياطياتها الدولية لدى بنوكها المركزية؟
بدأت تلك الأزمة بين البيت الأبيض والكونجرس، عندما أرسلت جانيت يلين – وزيرة الخزانة الأمريكية – خطابا لرئيس مجلس النواب كيفين مكارثى تدعوه فيه لرفع سقف الدين القومى، محذرة من أن التخلّف عن سداد الديون الأمريكيّة، سيؤدّى بالتأكيد إلى ركود فى الولايات المتحدة، وقد يؤدّى إلى أزمة ماليّة عالميّة، وكانت الحكومة الأمريكية قد وصلت إلى الحد الأقصى لسقف الاقتراض عند 31.4 تريليون دولار، يوم الخميس الموافق 19 من يناير الماضى، مما يعكس حجم الأموال التى أنفقتها الحكومة بالفعل، أى أن الدين العام يقارب 130% من الناتج الإجمالى للولايات المتحدة .
وبتوزيع هذا الدين على تعداد سكان الولايات المتحدة، سنجد أن كل مواطن أمريكى بات محملاً بأعباء من هذا الدين تقدر ب 94 ألف دولار، وأن نصيب كل عائلة أمريكية يقترب من 239 ألف دولار، أى أن الدين العام يبلغ أكثر من 6 أضعاف الإيرادات الفيدرالية.
وبنص المادة الثامنة من الدستور الأمريكى، فإن الكونجرس يمتلك سلطة الموافقة على الاقتراض، حيث يخول الكونجرس بطريقة مباشرة إصدار كل دين على حدة، وذلك منذ عام 1917، ولذلك أبلغت وزيرة الخزانة الأمريكية رئيس الكونجرس، أن وزارتها بدأت فى استخدام الإجراءات الاستثنائية لإدارة السيولة، حتى تجنب البلاد خطر التخلف عن السداد حتى 5 يونيو المقبل، والذى ينتج عنه تعطيل بعض المصالح الحكومية وإغلاقها.
كيف تفاقمت الديون الأمريكية؟
فى البداية تقترض أى حكومة وليس الحكومة الأمريكية فقط، لأن مصروفاتها أكثر من إيراداتها، وقد نشأ الدين القومى الأمريكى مع نشأة الولايات المتحدة نفسها، فبعد نهاية الحرب الأهلية والتى امتدت بين عامى 1775-1783، وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها محملة بديون أكثر من 75 مليون دولار أمريكى، ومنذ ذلك التاريخ بدأت الديون الأمريكية فى التزايد، وإن زادت وتيرتها فى فترات وقلت فى أخرى.
ومع بداية الحرب العالمية الأولى، لجأت الولايات المتحدة للدين لتوفير الأموال اللازمة لدعم الحرب، وتسببت تلك الحرب فى زيادة الديون الأمريكية إلى 23 مليار دولار بين عامى 1917 – 1919، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، تم تطبيق نظام سقف الدين للحكومة الأمريكية والحفاظ على الاعتبارات الدولية، والحفاظ على النظام المالى المستقر، ومنذ ذلك الحين قرر الكونجرس عدة مرات زيادة حدود سقف الدين لتغطية المدفوعات الحكومية الإضافية.
وهناك عدة عوامل أدت إلى تشكيل الدين القومى الأمريكى، ومن أهم تلك العوامل الحروب، فبعد الحرب العالمية الأولى حدث تحسن فى فترة العشرينيات من القرن الماضى، وقلت الديون الأمريكية، لكن زادت مرة أخرى مع الكساد العظيم فى عام 1929. وزادت تلك الديون مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى بلوغ الدين إلى 271 ملياراً عام 1946، وأدى ذلك إلى ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلى الإجمالى من 16% إلى نحو 122%.
وكلفت كل من الحرب الكورية وحرب فيتنام 168 مليار دولار، لكل منهما خلال عامى 1975 و1976، وارتفعت نسبة العجز فى الميزانية إلى الناتج المحلى الإجمالى، غير أن نسبة النمو فى الناتج المحلى الإجمالى كانت أعلى من نسبة النمو فى الدين العام، ولذلك تراجعت نسبة الدين العام إلى الناتج بصورة كبيرة، حتى بلغت أدنى مستوياتها عبر التاريخ الأمريكى الحديث، وذلك عام 1974، حيث بلغت 33.6%.
وفى عام 1981، خفضت الولايات المتحدة الضرائب بصورة كبيرة ودائمة، وهو ما أدى إلى تراجع الإيرادات العامة، مع زيادة كبيرة فى الإنفاق على الدفاع، مما أدى إلى زيادة عجز الميزانية خلال العقد التالى إلى نحو 200 مليار دولار سنوياً، ما جعل الدين العام الأمريكى يأخذ منحى مختلفاً عما سبق، حيث تجاوز حاجز التريليون دولار للمرة الأولى عام 1981. وفى عام 1992، بلغ إجمالى الدين العام نحو 4 تريليونات دولار، ونتيجة لذلك ارتفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلى الإجمالى إلى 64%.
وبدءا من عام 1992 شهدت السياسة المالية للولايات المتحدة، تطورات إيجابية مهمة، حيث أخذ العجز فى الميزانية يتراجع إلى درجة أنه فى عام 1998 سجلت الميزانية أول فائض لها منذ عام 1970، استمر حتى عام 2001 الذى تراجعت فيه نسبة الدين، إلى الناتج المحلى الإجمالى نحو 56.4%.
وبعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، تدهورت أوضاع الاقتصاد الأمريكى، وعادت الميزانية لتحقق عجزاً مرة أخرى بلغ خلال عام 2002 نحو 158 مليار دولار، وتسببت إدارة الرئيس جورج بوش الابن فى زيادة عجز الميزانية بـ3.2 تريليون دولار، لمواجهة تداعيات هجوم الحادى عشر من سبتمبر 2001 .
وفى نهاية عام 2007، غرق الاقتصاد الأمريكى، فى حالة الكساد واندلعت الأزمة المالية العالمية. ومع تزايد حزم التحفيز المالى الضخمة، أخذ العجز فى الميزانية منحى لم يبلغه من قبل، حيث تعدى عام 2009 حاجز التريليون دولار للمرة الأولى فى تاريخ الولايات المتحدة، مسجلاً 1.413 تريليون دولار بنسبة عجز إلى الناتج المحلى الإجمالى وصلت إلى نحو 10%، فقد ارتفع عجز الميزانية الفيدرالية فى عهد الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما، خلال فترتى رئاسته (2008 – 2016) بـ6.7 تريليون دولار، تلك الفترة تزامنت مع ارتفاع حجم الإنفاق، لمواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية فى 2008، وتسببت برامج تخفيض الضرائب التى أقرها أوباما فى زيادة عجز الميزانية بـ858 مليار دولار
وبحسب تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية العام الماضى، أن التكاليف المباشرة للحروب الأمريكية فى أفغانستان والعراق وسوريا، قد تجاوزت 1.6 تريليون دولار، فى حين وجد باحثون أنه إذا تمت إضافة التكاليف غير المباشرة، لا سيما رعاية قدامى المحاربين فى تلك الحروب، والفوائد على الأموال المقترضة لتمويل الجيش، فإن التكلفة الإجمالية كانت أعلى بكثير، وأقل بقليل من 6 تريليونات دولار لكل جهود أمريكا فى الحرب على الإرهاب فى أعقاب 11 سبتمبر 2001.
أما بالنسبة لتأثير العوامل الاجتماعية، المتعلقة بالتخطيط الفيدرالى والمصروفات الاجتماعية، فهى محل خلاف بين الحزبين الجمهورى والديمقراطى، حيث تقوم سياسة الديمقراطيين على زيادة الضرائب على الأغنياء وزيادة الإنفاق على الخدمات الاجتماعية المختلفة، والرعاية الصحية، بينما يسعى الجمهوريون إلى ضبط الإنفاق العام وتقليله والعمل على خلق المزيد من الوظائف بدلا من زيادة الضرائب، وعلى الرغم من ذلك وبالرجوع إلى عدد المرات التى تمت فيها الموافقة على رفع سقف حد الدين القومى الأمريكى 78 مرة منذ عام 1960، منها 49 مرة فى ظل رؤساء جمهوريين، و29 تحت رئاسة إدارات ديمقراطية.
تنقسم الديون الأمريكية إلى نوعين مختلفين، وهما ديون داخلية وديون خارجية، ولا تمثل الديون الخارجية أكثر من 7.7 تريليون دولار.
السنوات الأصعب فى الدين الأمريكى
شهدت الولايات المتحدة فى السنوات الأخيرة، أزمات متكررة بشأن سقف الدين، خصوصا مع تزايد الخلافات بين الحزبين الجمهورى والديمقراطى، حيث نما الدين العام الأمريكى بنسبة 35.86% خلال الفترة بين عامى 2010 و2015، حيث تشير الأرقام المتاحة إلى أنها ارتفعت من 14.5 تريليون دولار خلال عام 2010، لتسجل نحو 19.7 تريليون دولار خلال 2015، بزيادة بلغت نحو 5.2 تريليون دولار، وكان إجمالى هذه الديون يمثل نحو 93.2% من الناتج المحلى الإجمالى للولايات المتحدة.
وخلال الفترة من عام 2015، وحتى بداية عام 2017، صعدت الديون الأمريكية من 19.7 تريليون دولار إلى نحو 19.9 تريليون دولار، بزيادة بلغت نحو 0.2 تريليون دولار، مسجلة زيادة نسبتها 1.01%. ويمثل إجمالى هذا الدين نحو 105% من الناتج المحلى الإجمالى الأمريكى، وفى الفترة من عام 2017 وحتى عام 2020، قفزت الديون بنسبة 35.67%، بعد ما زادت من 19.9 تريليون دولار إلى نحو 27 تريليون دولار، بزيادة تبلغ نحو 7.1 تريليون دولار، وهى الفترة التى تولى فيها الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب رئاسة البلاد، وخلال هذه فترة تراوحت نسبة الدين الأمريكى إلى الناتج المحلى الإجمالى بين 108 و109%.
وتشير هذه البيانات والأرقام إلى أن الدين العام الأمريكى، قفز خلال 10 سنوات بنسبة 86.2%، بعد ما صعد من 14.5 تريليون دولار خلال عام 2010 إلى نحو 27 تريليون دولار عام 2020، بزيادة بلغت نحو 12.5 تريليون دولار، وقد تسببت جائحة كوفيد-19 أن توسعت الإدارة الأمريكية فى تقديم المساعدات المالية للمواطنين، والتى قدرت ب 350 مليار دولار، وبلغ عجز الميزانية 3.1 تريليون دولار عام 2020، وانخفض قليلا فى عام 2021 ووصل إلى 2.78 تريليون دولار، ووصل العجز فى الميزانية الفيدرالية للعام الماضى الى 1.38 تريليون دولار، ويوضح الشكل التالى تطور حجم الدين الأمريكى فى السنوات الأخيرة، والأسرع نموا فى حجم الدين المحلى الأمريكى.
الصراع الحزبى على سقف الدين
عادة يتم رفع سقف الدين الأمريكى، بعد مرحلة من التجاذب بين الحزبين الجمهورى والديمقراطى، وهذا ما يجعل الأسواق فى حالة اطمئنان، إذ يستبعد الخبراء الاقتصاديون أن يخفق المشرّعون بالتوصل إلى اتفاق، إذ يفترض الخبراء عدم قدرة أى من الطرفين، على تحمل تبعات عدم رفع سقف الدين عندما يحل موعد السداد، وذلك فى غضون بضعة أشهر فقط، وبحسب تقديرات «جولدمان ساكس»، سيحل موعد السداد بين بداية ومنتصف أغسطس المقبل.
لكن تعقيدات العملية التشريعية، وضيق هوامش الهيمنة الحزبية على مجلسى النواب والشيوخ، لا تخدم إدارة جو بايدن، فالظروف السياسية المحيطة بالمفاوضات هذه المرة تبدو أخطر من كل المواجهات السابقة. حيث يصرّ الجمهوريون على خفض النفقات مقابل رفع سقف الدين لصالح إدارة ديمقراطية.
وتتفاقم الأزمة بشكل كبير هذه المرة، نظراً لضعف قبضة كيفن مكارثى على عدد من النواب الجمهوريين المصممين على عدم التسوية، وعلى الجانب الآخر فإنه من مصلحة الرئيس جو بايدن، والأعضاء الديمقراطيين فى الكونجرس إظهار الجمهوريين كمتطرفين ومزعزعين للاستقرار، عند تهديدهم بعدم رفع سقف الدين البالغ 31.4 تريليون دولار، مما يدخل الاقتصاد الأمريكى فى دائرة الخطر.
فمسار كيفين مكارثى الشاق للفوز بمنصب رئيس مجلس النواب، فى يناير الماضى يظهر تقلبات الوضع السياسى فى الولايات المتحدة، فقد أخفق بالفوز فى 14 جولة تصويت، قبل أن يتمكّن من انتزاع فوز فى جولة التصويت الخامسة عشرة، مقابل تقديم عدد من التنازلات أهمها موافقته على تمكين أى مشرّع من طلب التصويت على إقالته فى أى وقت، مما يمنح نفوذاً لمجموعة صغيرة من الجمهوريين المتشددين، الذين قد يفرضون إدخال تعديلات على بعض التشريعات، مثل سقف الدين عبر تهديد رئاسة مكارثى لمجلس النواب، وحتى دون هذا التهديد لا يستطيع مكارثى تحمّل أكثر من أربعة أصوات جمهورية معارضة فى أى عملية تصويت منقسمة حزبياً.
ويجد أيضا المحافظون الفرصة سانحة، قبل الانتخابات فى عام 2024 لتصوير الديمقراطيين كمبذرين لزيادة الإنفاق الحكومى، الذى يسهم فى زيادة التضخم، ويجدون فى أزمة رفع سقف الدين مبتغاهم للقيام بذلك، فهم بحاجة لافتعال أزمة أشدّ وطأة قبل الانتخابات الرئاسية بشهور .
الآثار الاقتصادية لعدم رفع سقف الدين
حذر جيروم باول – رئيس مجلس الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى- من استحضار خطر رئيسى حدث قبل عقد من الزمن، حين كان عضواً فى مجلس الاحتياطى الفيدرالى خلال مواجهة سابقة، فى واشنطن بين البيت الأبيض ومجلس النواب حول رفع سقف الدين، وهو تخوف المستثمرين الذين سيتلكأون فى شراء كل الدين الأمريكى المعروض فى مزاد وزارة الخزانة، قائلا بحسب سجلات الاحتياطى الفيدرالى، لمحادثات صُناع السياسية: «الخطر الرئيسى هو فشل المزاد، وفقدان القدرة على دخول السوق مقابل أى سعر».
وعندها ستعجز وزارة الخزانة فى حال فشل المزاد، عن جمع ما يكفى من الأموال لتسديد ديونها المستحقة، ما سيفتح سيل مشكلات. كما سبق أن شرح رئيس الاحتياطى الفيدرالى فى نيويورك ويليام دولى، إبان أزمة عام 2011 «سيزيد ذلك بلا شكّ احتمالية التخلف عن السداد، وسيكون له تأثير هائل على الظروف المالية فى أسواق رأس المال»، انتهى النزاع حول سقف الدين فى 2011 بتسوية جنّبت البلاد التخلّف عن السداد، فإنها أدت إلى انخفاض مؤشر «ستاندرد أند بورز 500» 17%. يبدو أن النزاع هذا العام سيأتى على القدر نفسه من الشراسة على أقل تقدير.
أما بالنسبة للأمريكيين العاديين، الذين يرزحون أصلاً تحت وطأة ارتفاع أسعار الفائدة، فإن تخلّف الولايات المتحدة عن السداد سيرفع جميع تكاليف أنواع الاقتراض، كالرهون العقارية وبطاقات الائتمان وقروض السيارات، كما أن محافظ خطط التقاعد (401 k) المتهالكة أصلاً ستكون عرضة لمزيد من الضربات.
ومن المتوقع عدم حصول عشرات الملايين من الأسر الأمريكية، على العديد من المزايا الفيدرالية، مثل الضمان الاجتماعى والرعاية الطبية، والمساعدات الفيدرالية المتعلقة بالتغذية والمحاربين القدامى والإسكان، فى الوقت المحدد أو على الإطلاق، خصوصا فى ظل طلب الجمهوريين ربط الموافقة على رفع سقف الدين الأمريكى، بخفض الحكومة الأمريكية معدلات الإنفاق الحالية.
وقد قدر الخبراء الاقتصاديون لدى بنك جولدمان ساكس، أن خرق سقف الديون من شأنه أن يوقف على الفور نحو 10% من النشاط الاقتصادى الأمريكى، ومن الممكن أن يتسبب التخلف عن السداد فى إضافة 130 ألف دولار، إلى تكلفة متوسط الرهن العقارى الأمريكى لمدة ثلاثين عاماً، وسيؤدى ذلك الى تراجع الجدارة الائتمانية للولايات المتحدة، وستحول أسعار الفائدة المرتفعة أموال المستثمرين فى المدى القصير، بعيداً عن الاستثمارات الفيدرالية التى تشتد الحاجة إليها.
تأثير عدم رفع سقف الدين الأمريكى على الاقتصاد العالمى
لم يكد العالم يتعافى، بعد من تأثير موجة التضخم الأمريكية حتى لاحت فى الأفق أزمة سقف الدين الأمريكى، فالدولار يمثل أكثر من نصف احتياطيات العملات الأجنبية فى البنوك المركزية حول العالم، ولذلك يريد الجميع شراء سندات الخزانة الأمريكية بسعر رخيص، وبمخاطر شبه منعدمة، وفى حال تخلفت الولايات المتحدة عن السداد، سيتم الإضرار بقيمة الدولار عالميا، نتيجة قيام المستثمرين ببيع سندات الخزانة الأمريكية مما سيضعف الدولار، لذا فإن الانخفاض المفاجئ فى قيمة الدولار يمكن أن ينتشر فى سوق سندات الخزانة وستحدث اضطرابات عنيفة فى أسواق المال الدولية .
هذا بخلاف الانخفاض المفاجئ فى قيمة الاحتياطيات الدولية، لدى تلك الدول التى تحتفظ بالدولار الأمريكى كاحتياطى أجنبى، سينتج عنه زيادة ديون تلك الدول وخاصة الناشئة منها عند سداد مدفوعات الفائدة على ديونها السيادية، ويفاقم من أزماتها الاقتصادية، وبحسب آخر تقرير صادر عن الأونكتاد التابعة للأمم المتحدة، أن ارتفاع أسعار الفائدة حول العالم، ولا سيما فى الولايات المتحدة وأوروبا لوقف التضخم، يكلف البلدان النامية 800 مليار دولار، بحلول العام 2025، وفقاً للتقديرات التى وردت فى تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، وقال جيرونيم كابالدو، وهو أحد الخبراء الأمميين الذين شاركوا فى وضع التقرير، إن زيادات معدلات الفائدة الرئيسية التى قررتها المصارف المركزية تزيد من تكلفة عبء الديون على الجميع، ولكنها تثقل كاهل البلدان النامية بشكل أكبر، مشككا فى جدوى السياسة النقدية فى احتواء ارتفاع الأسعار، معتبرا أن التضخم باق لأنه مدفوع بارتفاع أسعار الطاقة والغذاء و»لا علاقة له»، بأسعار الفائدة.هذا بخلاف خفض صندوق النقد الدولى توقعاته لمعدلات النمو الاقتصادى.
ولذا سيبقى الاقتصاد العالمى على حافة هاوية الديون الأمريكية، والتى يتم رفع سقفها كل عام فى اللحظات الأخيرة قبل التوقف عن السداد، خصوصا فى ضوء تقديرات لجنة الميزانية فى الكونجرس، والتى تتوقع أن يتجاوز الدين 40 تريليون دولار فى عام 2032.