
يعتبر سجل الاتحاد الأوروبي بمحاربة الفساد في محيطه السلاح الأقوى الذي يتمتع به، سواء تعلّق ذلك بملاحقته للأوليغارشية الروسية المشبوهة، أو توبيخه للحكومات بسبب فشلها في التصدي للفساد داخل دولها. لذا؛ فمن غير المستغرب أن يركّز منتقدو الكتلة على فضيحة الرشوة التي ظهرت في البرلمان الأوروبي -وتضمنت اكتشافات مروعة عن حقائب رشوة مليئة بالنقود- ويحاولون استغلالها بأقصى قدر. وبرغم أنَّ القضية تركز على عدد قليل من الأشخاص في البرلمان المكون من 705 أعضاء، لكنَّها ما زالت قادرة على تقويض القوة الناعمة للاتحاد الأوروبي.
أطلقت الشرطة البلجيكية تحقيقاً في أوائل 2021 حول تدخل محتمل من قبل حكومة أجنبية في صنع القرار بالاتحاد الأوروبي، بناءً على معلومات وردتها من أجهزة المخابرات في البلاد، وفقاً لصحيفة “لو سوار”.
أجرت الشرطة أكثر من 20 عملية تفتيش في منازل ومكاتب المشرّعين الأوروبيين والمساعدين البرلمانيين في بروكسل -عاصمة بلجيكا ومركز صنع القرار في الاتحاد الأوروبي- إلى جانب إيطاليا، ونتج عن ذلك مصادرة نحو 1.5 مليون يورو نقداً.
اعتقلت الشرطة 4 أشخاص يُشتبه بهم في ديسمبر 2022، من بينهم المشرّعة اليونانية ومذيعة الأخبار السابقة، إيفا كايلي، وشريكها الإيطالي فرانشيسكو جورجي، والعضو الإيطالي السابق في البرلمان الأوروبي بيير أنطونيو بانزيري، ووُجّهت إليهم تهم الانتماء إلى منظمة إجرامية، وغسيل أموال وفساد. وعُزلت كايلي من منصبها كواحدة من 14 نائباً لرئيس البرلمان.
تسلط القضية الضوء على “دولة خليجية يُشتبه في سعيها للتأثير على القرارات الاقتصادية والسياسية للبرلمان الأوروبي”، وفقاً لبيان صادر عن المدّعين البلجيكيين إلى “لو سوار”. ويعتقد المدعون أنَّ النقود والهدايا الأخرى استُخدمت للحصول على خدمات من أصحاب النفوذ في المجلس التشريعي.
ركّز المحققون على فترة رئاسة بانزيري للجنة برلمانية لحقوق الإنسان، عندما عمل مع حكومة قطر، وفقاً لبيان أدلى به جيورجي للمدّعين العامين بالإضافة إلى مساعد سابق لبانزيري استشهدت به الصحيفة. ذُكرت كل من قطر والمغرب في الوثائق المتعلقة بالقضية. ونفت كايلي وبانزيري وحكومة قطر ارتكاب أي مخالفات. وذكرت صحيفة “لو سوار” أنَّ جيورجي اعترف بتورطه في أنشطة يقودها بانزيري، تهدف إلى خدمة مصالح قطر والمغرب في شؤون الاتحاد الأوروبي. كما تعرض ديميتريس أفراموبولوس، مفوض الاتحاد الأوروبي السابق، لانتقادات لاذعة عندما اتضح أنَّه قبِل 60 ألف يورو مقابل عمل جرى تنفيذه لصالح منظمة غير حكومية يديرها بانزيري، التي ارتبطت بمزاعم الفساد.
برغم أنَّ البرلمان الأوروبي ليس جهة مؤثرة مثل المؤسسات الرئيسية الأخرى في الاتحاد الأوروبي، كالمفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي، لكن يُنظر إليه بوصفه المدافع عن لواء المعايير الأخلاقية في الكتلة، وله تاريخ في محاسبة هيئاته الأخرى على مخالفاتها.
في أواخر التسعينيات، أجبر البرلمان القيادة السياسية للمفوضية الأوروبية بأكملها على الاستقالة، بسبب مزاعم الاحتيال والفساد التي تورطت فيها رئيسة المفوضية حينذاك، الفرنسية إديث كريسون. وتدخل البرلمان في تعيينات أخرى لمن يتولّون مناصب تنفيذية في الاتحاد منذ ذلك الحين.
ركزت صحافة اليمين السياسي في بريطانيا على الفضيحة الأخيرة كدليل على أنَّ البلاد كانت محقة في الانسحاب من الكتلة، فيما أشار فيكتور أوربان، رئيس الوزراء المجري إلى أنَّ البرلمان الأوروبي يُطبق معايير مزدوجة بعدما اتهم حكومته بالمحسوبية. أما الزعيمة القومية الفرنسية المتشددة مارين لوبان، التي شنّت من قبل حملة لخروج بلادها من الاتحاد الأوروبي؛ فقد هاجمت “كل الفاسدين الذين يزعمون أنَّهم أصحاب الفضيلة”.
يسارع البرلمان للتصدي للفساد وتجنّب المزيد من تلويث سمعته. قالت روبرتا ميتسولا، رئيسة البرلمان، إنَّها “لن تدخر جهداً” في محاربة المحاولات التي تسعى إلى ممارسة تأثير لا طائل منه على المشرّعين. ودعت إلى تحسين حماية المبلّغين عن المخالفات، وإجراء تحقيق في تمويل مجموعات الضغط التي تعمل مع البرلمان، والمزيد من التدقيق في كيفية تفاعل المشرّعين مع الحكومات غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ويمكن أن يشمل ذلك “سجل الشفافية” الذي يهدف إلى تسجيل اجتماعات البرلمانيين مع ممثلي الدول الأخرى خارج الاتحاد.
كرّرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، الدعوة لإنشاء هيئة أخلاقية على مستوى الاتحاد الأوروبي، وهي فكرة تجاهلها البرلمان عندما اقترحتها للمرة الأولى في مارس 2022.
سعت الدولة الخليجية لتحسين صورتها في الخارج بعدما واجهت انتقادات لاذعة حول معاملة العمال المهاجرين أثناء الاستعدادات لاستضافة كأس العالم لكرة القدم في أواخر 2022. ويبدو أنَّها تحالفت مع كايلي في ذلك الصدد، إذ قالت المشرّعة اليونانية في نوفمبر الماضي إنَّ قطر كانت “من أكثر الدول التي تسعى إلى تحسين حقوق العمال”. وكان من المتوقَّع أن يوافق البرلمان الأوروبي قبل هذه الفضيحة على تخفيف قواعد التأشيرات للقطريين ممن يقضون عطلاتهم في الاتحاد الأوروبي، وأن يوقِّع على اتفاقية عام 2019 منوطة بإضافة مزيد من الرحلات الجوية بين قطر ودول الكتلة. لكن تلك الفضيحة خيّمت على مصير تلك الإجراءات. وسيحتاج الاتحاد إلى التحرك بحذر، بينما تحاول الدول الأعضاء إبرام صفقات مع قطر لشراء المزيد من غازها الطبيعي والتخفيف من أزمة الطاقة التي تكتنف المنطقة.