
أثارت تهديدات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب والمرشح الأوفر حظاً للفوز بترشيح الحزب الجمهوري بانتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر المقبل، المخاوف داخل القارة الأوروبية، بتعبيره عن عدم رغبته في حماية الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي من أي هجوم مستقبلي من روسيا إذا تأخرت مساهماتها في الحلف، ما وضع دول القارة في مأزق هو الأسوأ.
وفي هذا السياق، وفي مقال له بصحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية، قال الكاتب الصحافي البريطاني، جنان غانيش، إن:
وأفاد في مقاله بأن بداية المأزق جاءت بشكوى ترامب تجاه حلف شمال الأطلسي بشأن الحلفاء “الجانحين”، وأن لديه قناعة أبدية بأن أميركا تتعرض للسرقة.
ورصد المقال بعض المواقف لترامب أثناء فترة رئاسته السابقة والتي تعكس خلقه الشقاق في أوروبا وإثارة المشكلات، والتي من بينها:
وطرح الكاتب سؤالاً: “هل سيدافع ترامب عن الحلفاء في حالة الهجوم على الناتو؟”، مشيراً إلى أن المادة الخامسة التي تحدد مبدأ الدفاع الجماعي بميثاق الحلف، تم الاستناد إليها مرة واحدة خلال 75 عاما، والإجابة على هذا السؤال ميؤوس منها في جوهرها.
والسؤال الأكثر عملية هو كيفية منعه من مغادرة حلف شمال الأطلسي أو نقص تمويله في هذه الأثناء، أو تقويضه بخطاباته. الجواب هو أن تصدق كلمته، وتطرح السؤال النقدي. إنه ليس رمزًا لشيء آخر.
توتر العلاقات
من بروكسل، قال خبير الشؤون الأوروبية، محمد رجائي بركات، في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن:
ولفت إلى تهديد ترامب الأخير لدول الناتو بأنه لن يدافع عنها في حال تعرضها إلى هجوم روسي لعدم مساهمتها كما يجب في ميزانية الحلف، معتبراً أن ذلك يشكل دليلاً على عودة الرئيس الأميركي السابق إلى نفس الأسلوب الذي كان عليه في السابق. كما أوضح أن هذه التصريحات أثارت القلق لدى بعض المسؤولين، ما دفعهم إلى التحدث حول إعادة النظر في بناء قوة عسكرية أوروبية للدفاع عن الاتحاد الأوروبي.
وقال إن بعض المسؤولين الأوروبيين وعلى رأسهم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، اقترحت على سبيل المثال أن يكون هناك مفوض أوروبي للشؤون الدفاعية، وهذه الصلاحية الآن ممنوحة إلى جوزيب بوريل المسؤول عن العلاقات الخارجية والمفوض الأوروبي، الأمر الذي يعكس وجود تخوف بهذا الشأن وهو ما يدفع دول الاتحاد إلى العمل بشكل جدي أكبر، من أجل أن يكون هناك قوة أوروبية منفصلة عن حلف الشمال الأطلسي.
واستطرد قائلًا: السؤال المطروح الآن هو مدى توفر الإمكانات المالية والإرادة السياسية والوفاق بين كافة الدول الأعضاء في الاتحاد كي يتم تشكيل هذه القوة العسكرية.
إنفاق دول الناتو
وبحسب الموقع الرسمي لحلف الناتو، فإنه يعد منظمة سياسية وعكسرية، الهدف الأساسي لها يتمثل في حماية حرية وأمن أعضائها من خلال الوسائل السياسية والعسكرية.
خطر على الدول الأوروبية
ومن برلين، أوضح مؤسس مركز بروجن للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية، رضوان قاسم، في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، أن:
لكنه شدد على أنه حينما كان ترامب رئيسا لأميركا كان وضع الدول في أوروبا أقل خطرًا وأكثر استقرارًا اقتصاديًا، أما اليوم فالوضع الاقتصادي بالدول الأوروبية صعب جدا بسبب تهور السياسات الاقتصادية الأميركية في عهد الرئيس الحالي جو بايدن، وبفعل تبعية تلك الدول للولايات المتحدة الأميركية، فأصبح الاتحاد الأوروبي في وضع لا يحسد عليه من تضخم ورفع بالأسعار.
بحث سيناريوهات ما بعد فوز ترامب
وأوضح مؤسس مركز بروجن للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية، أن دول الاتحاد الأوربي تعكف الآن على بحث المستجدات التي قد تطرأ حال عاد ترامب إلى الحكم في أميركا، لسببين أولهما عسكري والآخر اقتصادي:
وحذر من العواقب الوخيمة المتوقعة عقب الانتخابات الرئاسية الأميركية، سواء بالداخل الأميركي أو دول أوروبا، موضحًا أن تلك العواقب تتمثل في:
علاقات مختلفة
ورأى مؤسس مركز بروجن للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية، أن العلاقات الأميركية الأوروبية حال فوز ترامب بانتخابات الرئاسة، ستختلف عما هي عليه الآن لكن ستبقى ضمن حدود الدُنيا، فلا يمكن لدول أوروبا أن تختلف مع أميركا بشكل كبير ولا يمكن أن تقطع هذه العلاقة نهائيا، معللًا بأن أميركا قادرة على الضغط على أوروبا بورقة العقوبات أو من خلال وضع الدولار والشركات والمنافسة التجارية والاقتصادية.
وأكد أنه لا يمكن لدول أوروبا الخروج من العباءة الأميركية بسهولة، فستكون هناك مواقف مختلفة بعض الشيء على الصعيد الاقتصادي مثل الجمارك التي تفرض على بعض المواد القادمة من أميركا والعكس، أما بالنسبة للأسلحة والتدريب والعسكرة سيكون لبعض الدول جيوش خاصة تحسبا لأي طارئ في المستقبل.
وأوضح أن الدول الداعمة لسياسة جو بايدن وأوكرانيا ضد روسيا هي الأكثر تضررا من عودة ترامب إلى الرئاسة الأميركية وهي ألمانيا وبولندا ومن ثم فرنسا، علما أنهم أكثر المتضررين من محاربة روسيا هذا لأن عودة ترامب ستقوي الأحزاب اليمينية في هذه الدول على سبيل المثال حزب ماري لوبان في فرنسا وحزب البديل في ألمانيا لأنهم يتماهون مع سياسة ترامب وخاصة بالنسبة للهجرة لأنهم ضد محاربة روسيا.
ملفات ستتأثر حال فوز ترامب
ومن جهته رأى خبير العلاقات الدولية والباحث بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية، أيمن سمير، في تصريح خاص لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” أن وصول ترامب إلى البيت الأبيض إذا ما فاز في انتخابات نوفمبر القادمة سوف يؤثر على العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا في أكثر من مجال، موضحًا:
ويضيف: من الناحية العسكرية تأتي مطالبة الرئيس السابق دونالد ترامب دول حلف الناتو الذي تتمثل غالبيته في دول أوروبا الشرقية والغربية، الالتزام بدفع 2 بالمئة من الناتج القومي لهذه الدول كنفقات للشؤون الدفاعية، وشراء السلاح ومصانع الذخيرة، فغالبية تلك الدول قبل الحرب الأوكرانية كانت ترفض ذلك وفي المقدمة ألمانيا التي كانت تركز على قضايا مثل الرخاء الاجتماعي واستقبال عدد كبير من اللاجئين وتحسين الحياة، لكنها لم تكن تركز بشكل كبير على قضية شراء السلاح وأموال الشؤون الدفاعية، اليوم وبعد تهديدات ترامب أعلنت أكثر من عشرين دولة في الحلف أنها وصلت إلى هذه النسبة.
وأوضح أن تحقيق الدول نسبة 2 بالمئة لم يكن سببه تهديد ترامب الأخير لكن بسبب تبعات ما بعد الحرب في أوكرانيا، مشيرًا إلى أن هناك دولاً تخطت هذه النسبة على سبيل المثال منها ما يسمى بدول مجموعة بودابست التسعة مثل بولندا وصلت نسبة الإنفاق العسكري إلى 4 بالمئة من الناتج القومي، أي تخطت الولايات المتحدة الأميركية في ميزانيتها الجديدة 2024 – 2025 بأن تنفق 886 مليار دولار بواقع 3,8 بالمئة من الناتج القومي الأميركي الذي يصل إلى 27 تريليون دولار.
وأضاف إلى ذلك أيضًا دول بحر البلطيق الثلاثة لاتفيا وإستونيا وليتوانيا وصلت إلى معدلات إنفاق عالية، وكذلك دول مثل رومانيا وبلغاريا بالإضافة إلى تشيك وسلوفاكيا والمجر، ربما الدول التي لم تصل بعد إلى 2 بالمئة هي دول قليلة وربما تزيد في المرحلة القادمة، موضحًا أنه بعد الحرب في أوكرانيا أداء الأوروبيين أصبح فيه نوع من السخاء بالإنفاق على حلف الناتو وهو ما سيشكل استجابة لمطالب ترامب.
أما على الصعيد التجاري، فإن ترامب يعتقد بأن دول أوروبا وخاصة الغنية منها ينبغي أن تقوم أميركا بوضع حواجز جمركية على الشراء منها، على سبيل المثال هناك تقدير لدى ترامب بأن السيارات الألمانية تباع في ولاية كاليفورنيا أكثر من ألمانيا نفسها، ليعتقد بأنه نوع من سرقة الأموال الأميركية لصالح الميزانية الاقتصادية الألمانية، كما كانت لديه سلسلة من الإجراءات ضد بعض المواد المُصدرة من أوروبا إلى أميركا وتحديدا مع فرنسا، فهذا سوف يؤدي إلى مشاكل تتعلق بالتجارة بين أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
وعلى صعيد الطاقة، قال سمير: الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط بالعالم وبالتالي استيراد أوروبا للغاز يجعل مُدخلات الصناعة في أوروبا أغلى من أميركا، فأي دعم جديد من ترامب عند فوزه بالانتخابات لقطاع الغاز والنفط في الولايات المتحدة سوف يؤثر على الصناعات الأوروبية بشكل كبير، وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى هجرة رؤوس الأموال والمستثمرين الأوروبيين في مجال الصناعة تحديدا إلى الولايات المتحدة، خاصة وأنه يريد توطين الصناعات في الولايات المتحدة وهو بشكل عام ضد اتفاقيات التجارة الحرة وسيدفع إلى مزيد من تقييد الواردات من أوروبا، وهو ما سينعكس في صورة توتر شديد بين الأوروبيين وإدارة ترامب إذا وصل للبيت الأبيض.
واختتم خبير العلاقات الدولية والباحث بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية، حديثه قائلًا إن الأوروبيين في الوقت الحالي بعهد الرئيس بايدن يحاولون تحصين العلاقات مع أميركا حتى لا تتأثر حال فوز ترامب بالرئاسة، موضحًا أنه على سبيل المثال هناك محاولة لتوقيع اتفاقيات بين دول الاتحاد الأوروبي وواشنطن لتمريرها في الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ حتى إذا ما جاء ترامب يجد صعوبة في تعديل هذه الاتفاقيات.