
حجم التجارة البينية عند 7 في المئة وفجوة الغذاء تتجاوز 35 مليار دولار
فيما تتصاعد حدة الأزمات التي تواجه الاقتصاد العالمي مع استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا وتفاقم أزمات الإمداد وسلاسل التوريد، والتحذيرات المتتالية من انتشار حالات انعدام الأمن الغذائي لتطال أكثر من 345 مليون مواطن في أكثر من 80 دولة، تبدو السوق العربية المشتركة ضرورة ملحة للنجاة من المركب الغارق.
وعلى رغم المطالبات المستمرة بضرورة التحرك بشكل سريع في هذا الملف، لكن تشير البيانات إلى أن الدول العربية لم تستفد من الاتفاقيات العربية، حيث لم يتجاوز حجم التجارة البينية العربية سبعة في المئة. وقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين مصر والدول العربية ليبلغ 19.3 مليار دولار عام 2022 مقارنة بنحو 14.26 مليار دولار عام 2015 بنسبة زيادة 36 في المئة.
ووفق البيانات المتاحة، فقد ارتفع حجم التجارة السلعية العربية مع العالم بنحو 23.1 في المئة خلال 2021 مسجلاً 1848.6 مليار دولار مقابل 1501.9 مليار دولار عام 2020، كما زادت معدلات التجارة العربية البينية نحو 17.5 في المئة خلال 2021 مسجلة 112.5 مليار دولار، مقابل 95.8 عام 2020.
أيضاً، فقد ارتفع حجم الصادرات السلعية العربية للعالم بنسبة 37.4 في المئة مسجلة 1038.2 مليار دولار عام 2021 مقابل 755.6 مليار دولار 2020، كما ارتفع إجمالي الواردات السلعية العربية بنسبة 8.6 في المئة مسجلة 810.4 مليار دولار عام 2021 مقابل 746.3 مليار دولار 2020.
ووفق البنك الدولي، فإنه ومنذ سنوات طويلة، تعاني الدول العربية من فجوة غذائية، وبحسب أحدث الأرقام، فإن الفجوة الغذائية العربية بلغت عام 2020 نحو 35.3 مليار دولار، وتمثل الحبوب نقطة الضعف الكبرى لدى الدول العربية في مجال الفجوة الغذائية، فهي تمثل 47.8 في المئة من إجمالي قيمة تلك الفجوة، وفي عام 2020، بلغت واردات الدول العربية من الحبوب ما قيمته 20.8 مليار دولار، وكان القمح على رأس قائمة الحبوب في الواردات الغذائية العربية في العام نفسه بقيمة ما يزيد قليلاً على تسعة مليارات دولار.
ضرورة معالجة تحديات الأمن الغذائي العربي
والشهر الماضي، أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لجامعة الدول العربية ضرورة التوسع في الاستثمارات الزراعية لزيادة الإنتاج الزراعي وخلق توازن بين العرض والطلب، وتبني السياسات والتشريعات للحد من الفاقد والهدر في الغذاء، ومواصلة العمل للتحول إلى نظم غذائية مستدامة وبناء شراكات مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني وتمكين المرأة والشباب.
ورحب المجلس، في قراراته الصادرة في ختام أعمال دورته العادية 111 على المستوى الوزاري برئاسة موريتانيا، بمقترح الأردن، في شأن معالجة تحديات الأمن الغذائي العربي في ظل استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا. ودعا إلى دراسة مدى مناسبة لإنشاء مرفق لتمويل الواردات الغذائية للدول العربية الأكثر ضعفاً، وأهمية توفير البيئة المؤسسية والتشريعية التمكينية والعمل مع المجتمع الدولي ومنظمات الأمم المتحدة لضمان توفير التمويل المناسب، والعمل على توسيع وتعميق التعاون في المجالات ذات الصلة بالنظم الغذائية والأمن الغذائي، وضرورة استغلال الأراضي المهملة والأراضي الهامشية الصالحة للزراعة وأراضي الوقف وإعمار واستغلال الأراضي البعلية والتحول إلى نظم غذائية وزراعية أكثر كفاءة وشمولية.
وأوصى المجلس بزراعة الأعلاف باستخدام المياه غير التقليدية لمواجهة ارتفاع الأسعار وزيادة الدعم الموجه لزيادة الإنتاج المحلي من القمح والشعير، والعمل على الحد من الفاقد الغذائي من خلال تحليل شامل لحلقات سلسلة التوريد ذات الخسائر المحتملة الأعلى، والحد من الهدر الغذائي من خلال تحليل مصادر الهدر الغذائي، والممارسات المتبعة على مستوى تجار التجزئة والمستهلكين، من خلال فهم أنماط استهلاكهم الغذائي.
وأكد أهمية دعم سبل العيش للفئات الضعيفة من خلال تطوير القدرات الوطنية في تصميم وتنفيذ وتقييم مشاريع التمكين الاقتصادي التي تديرها مختلف المؤسسات الحكومية وتعزيز كفاءة وفعالية مبادرات التمكين الاقتصادي عن طريق وضع أسس ومعايير واضحة وقابلة للقياس، وتطوير النمط الزراعي بناء على حاجة الاستهلاك المحلي وحاجة التصدير وتوجيه الإنتاج الزراعي نحو التصدير ومحاصيل العجز والتصنيع.
وفي شأن “سوق الغذاء العربية”، قدم المجلس الاقتصادي والاجتماعي الشكر لدولة الإمارات العربية المتحدة على دعمها مبادرة الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي حول إنشاء سوق الغذاء العربية، كما دعا الدول لحث وتشجيع الشركات العربية التي تعمل لديها في القطاع الزراعي للاطلاع على المنصة الرقمية، وما تتيحه من إمكانات باعتبارها أول بوابة رقمية عربية لتجارة السلع الغذائية وتهدف إلى خلق ترابط إلكتروني بين جميع الأطراف المتداخلة في عمليات الإنتاج والتوزيع، لغرض التصدير والاستيراد وتنمية قدراتهم التنافسية عبر إدارة تكنولوجية للمعاملات، وطلب المجلس من الدول العربية توجيه الشركات للتعاون والتنسيق مع الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي بخصوص هذه المبادرة لغرض تحقيق هذا التعاون ووضع الآليات الكفيلة بتنفيذه.
ضعف القاعدة الإنتاجية وتباين الرسوم الجمركية
ورأى أستاذ الاقتصاد الكلي عماد كمال أن سلسلة الأزمات التي تواجه الاقتصاد العالمي في الوقت الحالي تتطلب ضرورة التوجه نحو التكتلات، والمنطقة العربية بما فيها من ثروات ضخمة يمكنها تشكيل تكتل قوي يعزز من دور الحكومات في احتواء أزمات التضخم والارتفاعات المتتالية في أسعار السلع عالمياً. وأوضح أنه على رغم أن السوق العربية من أكبر الأسواق الاستهلاكية في المنطقة وربما في العالم، لكن لم تستفد الدول العربية من هذه السوق حتى الآن، وتعتمد بشكل كبير على الاستيراد من الخارج في عدد كبير من السلع، لافتاً إلى أن مصر على سبيل المثال تبلغ فاتورة وارداتها السنوية ما يقرب من 100 مليار دولار.
وفي تعليقه، كشف المتخصص في الشأن الاقتصادي رشاد عبده عن أن الاتفاقيات العربية المشتركة هي الحل الأمثل للخروج من الأزمة المالية الحالية، مطالباً بضرورة أن تترجم توصيات المناقشات والقمم الاقتصادية إلى أفعال مع وضع آلية لترجمة هذه التوصيات لتدخل مرحلة التنفيذ حتى ترى مشروعات على أرض الواقع. وأوضح أن مشكلة المشروعات المشتركة هي التمويل ولكن تم حل هذه المشكلة بعمل صندوق المشروعات العربية. وشدد على ضرورة وجود إرادة سياسية حقيقية لتغيير الواقع ونقله من مرحلة الكلام والتوصيات إلى مرحلة العمل الجاد. ولفت إلى وجود عديد من المعوقات التي يجب إزالتها وأهمها ضعف القاعدة الإنتاجية وتباين الرسوم الجمركية بين الدول العربية وارتفاع كلفة النقل بسبب ضعف البنية التحتية.
وأشار إلى أن حجم التجارة العربية ما زال ضعيفاً على رغم انقضاء سنوات عدة على تطبيق منطقة التجارة العربية الكبرى مقابل 40 في المئة لمنطقة آسيا و70 في المئة لمنطقة دول الاتحاد الأوروبي. وتابع أن دول المنطقة العربية تحتوي على عديد من الإمكانات سواء في مجل الزراعة أو التصنيع إضافة إلى تميزها بأنها تعد من أكبر الأسواق الاستهلاكية على مستوى العالم.
وأكد عبده أن التعاون بين الدول العربية خلال الفترة المقبلة يمكن أن يتم بالتركيز على مجالات البنية الأساسية والنقل والسكك الحديدية والنقل البري، أما في ما يخص الاتحاد الجمركي فهو مؤجل لحين تفعيل الاتفاقيات الحرة لكي يتم تنفيذها، مشيراً إلى أن هذا الوقت يعد فرصة ذهبية لجذب رؤوس الأموال العربية للاستثمار في دول المنطقة وزيادة حجم التجارة البينية وإقامة مشروعات عربية مشتركة.
ضرورة تسهيل حركة التجارة العربية
وكانت دراسة لصندوق النقد العربي قد شددت على ضرورة الإسراع باستكمال متطلبات تنفيذ منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، ومن أهمها الوصول إلى الاتحاد الجمركي العربي، والتفعيل الكامل لاتفاقية تحرير تجارة الخدمات، وتطوير إليه فض المنازعات والرصد والمتابعة.
وأوصت الدراسة بأهمية إشراك القطاع الخاص العربي في عملية اتخاذ القرار باعتباره شريكاً أساسياً في تحقيق وتنمية التجارة العربية البينية والتكامل الاقتصادي، وذلك من خلال إشراكه في المفاوضات التجارية وفي مراحل العمل على تطوير البيئة التشريعية والتنظيمية الداعمة لتحرير التجارة البينية، كما شددت على ضرورة تعزيز الاستثمارات العربية في المجالات المرتبطة بالبنية التحتية بخاصة قطاع النقل البري والبحري والجوي والخدمات اللوجيستية وكذلك القطاعات ذات القدرة التصديرية والميزة التنافسية في الدول العربية، إضافة إلى دراسة سبل الوصول إلى التكامل القطاعي في بعض القطاعات الإنتاجية الأساسية لتعزيز استفادتها من التجارة الحرة العربية بغرض تطوير سلاسل قيمة إقليمية قادرة على دفع الصادرات العربية قدماً والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
وأكد صندوق النقد العربي ضرورة تفعيل مبدأ الشفافية في المعاملات التجارية البينية العربية من خلال اعتماد الآلية الخاصة بمتطلبات الشفافية في إطار اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وعبر نشر قوانين ولوائح وسياسات الدول الأعضاء وآليات الأخطار وتوفير المعلومات وتحديد مهام نقاط الاتصال الوطنية في الدول الأعضاء. وشدد على أهمية الاستفادة من تجارب البلدان التي حققت مراحل متقدمة من التكامل الاقتصادي كالدول الأوروبية لا سيما في ما يتعلق بمتطلبات نجاح تلك التكتلات والسياسات الاقتصادية والتجارية الداعمة، إضافة إلى تقليص إجراءات وزمن وتكلفة إنجاز المعاملات ذات الصلة بالتجارة عبر الحدود لا سيما من خلال تبني نظام النافذة الواحدة والاستخدام المكثف للتقنية في مراحل التبادل التجاري.