
قد يكلف سيناريو الحرب في تايوان الاقتصاد العالمي ما يعادل نحو 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يوازي 10 تريليونات دولار، وبالتالي فإن جميع الأطراف لديها الأسباب التي تجعلها تفكر مراراً قبل المخاطرة بتلك الحرب.
تقديرات بلومبرغ إيكونوميكس تشير إلى أن الضربة (التي تعرض لها الاقتصاد العالمي) الناجمة عن الحرب في أوكرانيا وأزمة جائحة كورونا “ستبدو ضئيلة”، وذلك بالمقارنة مع تداعيات أي حرب في تايوان، تبعاً للأرقام التي رصدتها الوكالة في تقديراتها لكلفة الحرب.
ويضع خبراء الأمن القومي في البنتاغون، ومراكز الأبحاث في الولايات المتحدة واليابان، والشركات الاستشارية العالمية، سيناريوهات مختلفة لتلك المخاطر.
تشير التقديرات النموذجية إلى أن حرب تايوان يمكن أن يكون لها تأثير أكبر على الناتج المحلي الإجمالي العالمي مقارنة بالصدمات الأخيرة الأخرى.
ونقلت الوكالة عن الخبير الصيني في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، جود بلانشيت، قوله إن الاهتمام بأزمة تايوان من جانب الشركات متعددة الجنسيات التي يقدم لها المشورة “قد انفجر” منذ الحرب في أوكرانيا في فبراير من العام 2022، موضحاً أن هذا الملف يأتي في 95 بالمئة من المحادثات.
إن الحرب في أوكرانيا ونقص أشباه الموصلات مع إعادة فتح العالم بعد عمليات الإغلاق التي فرضها فيروس كورونا، يقدمان لمحة بسيطة عن ما يواجهه الاقتصاد العالمي. بينما سيكون تأثير الحرب في تايوان أكبر بكثير.
سيناريوهان أساسيان
وضعت بلومبرغ إيكونوميكس نموذجين لسيناريوهين:
ويتم استخدام مجموعة من النماذج لتقدير التأثير على الناتج المحلي الإجمالي، مع الأخذ في الاعتبار الضربة التي تلقتها إمدادات أشباه الموصلات، وتعطيل الشحن في المنطقة، والعقوبات التجارية والرسوم الجمركية، والتأثير على الأسواق المالية.
وبالنسبة للأطراف الرئيسية، والاقتصادات الكبرى الأخرى، والعالم ككل، فإن الضربة الأكبر تأتي من أشباه الموصلات المفقودة، وخطوط المصانع التي تنتج أجهزة الكمبيوتر المحمولة، والأجهزة اللوحية، والهواتف الذكية – حيث الرقائق المتطورة في تايوان هي “المسمار الذهبي” الذي لا يمكن استبداله. كما أن قطاع السيارات والقطاعات الأخرى التي تستخدم الرقائق ذات الجودة المنخفضة ستتعرض لضربة كبيرة أيضًا.
وتؤدي الحواجز أمام التجارة والصدمة الكبيرة الناجمة عن العزوف عن المخاطرة في الأسواق المالية إلى زيادة التكاليف.
ماذا سيحدث في حالة الحرب؟
وضعت الوكالة عدداً من النقاط الرئيسية لما يُمكن أن تفضي إليه أي حرب في تايوان، على النحو التالي:
الافتراض الرئيسي في هذا السيناريو هو أن الولايات المتحدة ستنجح في تجنيد حلفائها في فرض عقوبات اقتصادية منسقة وشديدة ضد الصين.
وفي هذا السياق، يُمكن أن يكون أي سيناريو مرتبط بالحرب في تايوان، ذات آثار واسعة على حلفاء الولايات المتحدة الأميركية، لا سيما الاتحاد الأوروبي، وهو ما أشارت إليه أستاذة العلوم السياسية، المدير المؤسس لبرنامج الدراسات الأوروبية بجامعة فيكتوريا، آمي فيردون، في تعليقات سابقة لها، عندما قال إن الموقف الأوروبي إزاء الصين “متناقض”، بينما يمكن لأي تطور في اتجاه الحرب أن يبلور موقفاً أوروبياً أقوى وأكثر اتحاداً ضد بكين.
لكنّ الأكاديمي الأميركي، آلان كفروني، يقلل من إمكانية تأثير أزمة الرقائق “على المدى الطويل” بالنسبة للاقتصاد الصيني، بالنظر إلى حجم الاستثمارات الواسعة في هذا السياق، وكذلك بالنظر إلى مدى أهمية السوق الصينية بالنسبة للشركات الأميركية والغربية.
ويفسر ذلك في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” بقوله إنه في سياق الحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة على الصين، والتي تضمنت عديداً من الأوجه بما في ذلك الضوابط التصديرية والقيود المختلفة في عهد الرئيس دونالد ترامب، كانت إدارة بايدن على موعدٍ أيضاً مع استكمال ذلك النهج، وشنت إدارة بايدن حرباً اقتصادية “كبيرة” على الصين، خصوصاً فيما يتعلق بالعقوبات التي أقرتها على الرقائق الإلكترونية المتقدمة (التي تدخل في مختلف الصناعات الإلكترونية).
ويضيف: نظراً لأهمية قطاع أشباه الموصلات بالنسبة للاقتصاد الصيني ودوره المحوري، شكلت تلك العقوبات ضغوطات واسعة، وقد استهدفت واشنطن من خلالها تسديد ضربة بقلب اقتصاد بكين، خاصة وأن تلك العقوبات حفزت الشركات الأخرى بما في ذلك الشركات غير الأميركية على وقف التعامل مع الصين، ضمن محاولات واشنطن لإعاقة الصعود الاقتصادي لثاني أكبر اقتصاد في العالم.. لكنه يقلل من تأثير تلك الحرب على المدى الطويل، لجهة ضخ بكين استثمارات كثيفة في تكنولوجيا أشباه الموصلات على نحو واسع.
على الجانب الآخر يُشار إلى اعتماد كثير من الشركات الأميركية العملاقة والغربية على أشباه الموصلات من الصين، وبالتالي فإن خسارة السوق الصينية تمثل ضربة (ضربة مزدوجة) حتى لو سعت الأطراف الأميركية والغربية إلى إبداء عدم التأثر بشكل أو بآخر.
ماذا يحدث في حالة الحصار؟
وضعت بلومبيرغ إيكونوميكس أيضًا نموذجاً لما سيعنيه الحصار الذي تفرضه الصين على تايوان لمدة عام بالنسبة للاقتصاد العالمي:
والسبب في التأثير الأقل مقارنة بسيناريو الحرب هو أنه في حين أن الاقتصاد العالمي لا يزال يفقد القدرة على الوصول إلى جميع رقائق تايوان، فإن الصدمات الأخرى – بما في ذلك التعريفات الجمركية بين الولايات المتحدة وحلفائها والصين، وتعطيل الشحن الآسيوي وتداعيات الأسواق المالية – يتم تصغيرها.
وفي جميع السيناريوهات، يدفع الاقتصاد العالمي فاتورة باهظة لانقسام العالم بين معسكرين متناحرين (شرقي وغربي)، بحسب تحليل مستشار البنك الدولي، الدكتور محمود عنبر، والذي كان قد أشار في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” إلى أن تلك التوترات المتفاقمة تأتي في خطٍ متوازٍ مع هذا الصراع الذي يشهده العالم بين المعسكرين، والذي ينعكس بدوره على الاقتصاد العالمي، ويعزز من حال “عدم اليقين” الواسعة التي تعاني منها اقتصادات العالم منذ جائحة كورونا وحتى الآن مروراً بالحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة والغذاء ووصولاً للحرب في غزة الآن وغيرها من العوامل الجيوسياسية المؤثرة.
وتبعاً لعنبر، فإن حالة عدم اليقين الراهنة قد انعكست بصورة مباشرة على الاقتصادات، وهو ما يمكن تلمسه من خلال تراجع الاستثمارات على سبيل المثال (في إشارة للمخاوف التي تنتاب الأسواق جراء تفاقم خطورة السيناريوهات التي تفرضها التوترات الجيوسياسية) وهو ما أبرزته تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) والتي أفادت بتراجع حجم الاستثمار المباشر بنسبة تصل إلى 12 بالمئة على مستوى العالم في العام 2022.
والعام 2022 كان قد شهد حلقة “ساخنة” من حلقات التوتر فيما يخص تايوان، عند زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي آنذاك نانسي بيلوسي إلى تايبيه وما تبع تلك الزيارة من تفاقم حدة التوتر والتي فرضت ظلال الحرب على المنطقة والعالم وضاعفت المخاوف الجيوسياسية.
ويقول المسؤولون الأميركيون إن رد الفعل الصيني على الزيارة التي قامت بها رئيسة مجلس النواب الأميركي آنذاك نانسي بيلوسي إلى تايبيه في أغسطس 2022 ساعد في إقناع دول مجموعة السبع الأخرى بأن خطر الصراع حقيقي.
ورأت بكين ذلك بمثابة تحول في الوضع الراهن جعل شي يبدو ضعيفا، خاصة بعد أن أشار المعلقون المحليون إلى أن الصين ستكون قادرة على منعها من الهبوط في تايبيه.
وقال المسؤولون الأميركيون إن تداعيات زيارة بيلوسي، التي شهدت قيام الصين بإجراء تدريبات بحرية واسعة النطاق يُنظر إليها على أنها تدريب على الحصار، ساعدت في بناء ذاكرة دبلوماسية قوية لردود فعل منسقة.
وقال المسؤول الأول السابق عن سياسة الصين في وزارة الخارجية، ريك ووترز: “إن خطاب الصين ورد فعل جيش التحرير الشعبي على زيارة بيلوسي أثار موجة من التخطيط الهادئ للطوارئ والسيناريوهات في الشركات“.
الانتخابات المرتقبة
وحتى لو لم تتسبب نتيجة الانتخابات في تايوان في إشعال أزمة فورية، فإنها سوف تحدد اتجاه العلاقات في تلك المنطقة.
ويقول مسؤولون أميركيون إن الصين ربما تخطط لرد فعل متعدد الجوانب على الانتخابات، من خلال توغلات عسكرية وعقوبات اقتصادية وتكتيكات المنطقة الرمادية مثل الهجمات الإلكترونية.
ويقول المسؤولون في واشنطن وتايبيه إن الفترة من الانتخابات في يناير وحتى تنصيب الرئيس الجديد في مايو تمثل منطقة خطر بالنسبة للأفعال الصينية التي تهدف إلى تطويق رئيس تايوان القادم.
ظروف متوترة
وأياً كان الفائز فسوف يكون لزاماً عليه أن يتعامل مع مجموعة متغيرة ومليئة بالتحديات.
وفي اجتماعه مع بايدن، أعرب شي عن إحباطه من وجهة النظر القائلة بأن القوات الصينية تهدف إلى الاستعداد لـ “الغزو” بحلول عام 2027، وهو ما قال إنه كان خاطئا، وفقا لمسؤول أميركي كبير.
من جانبه، قال بايدن إن الولايات المتحدة ستهب لمساعدة تايوان في حالة ما وصفه بـ “الغزو” الصيني. وأدت هذه الفظاظة إلى تآكل طبقات من الغموض المصاغ بعناية بشأن موقف الولايات المتحدة، الأمر الذي أدى إلى إثارة الغضب في الصين والمخاوف من أن الولايات المتحدة تعمل على تشجيع الصخب المؤيد للاستقلال.
يُظهر مؤشر الإجهاد التايواني الصادر عن بلومبرغ إيكونوميكس – استنادًا إلى الكلمات التحذيرية التي تستخدمها وزارة الخارجية الصينية والتوغلات العسكرية في منطقة تحديد الدفاع الجوي في تايوان – ارتفاع درجة الحرارة خلال العام ونصف العام الماضيين.
يستعد المستثمرون والشركات بالفعل للأسوأ. ويقول رئيس صندوق الاستثمار في الأسهم كيركلاند كابيتال والخبير في شركات التكنولوجيا الآسيوية، كيرك يانج، إن وضع الصندوق في تايوان يقترب الآن من الصفر. وأن التوترات الجيوسياسية “أضافت حافزًا لتقليص الاستثمارات بوتيرة أسرع”.
وتتأهب كذلك الشركات والحكومات حول العالم. وقد ارتفعت الاستثمارات الجديدة في مجال الإلكترونيات والمعدات الكهربائية إلى 181 مليار دولار في عام 2022 من 48 مليار دولار في عام 2020، حيث فتحت حكومات الولايات المتحدة واليابان وألمانيا محافظها لتنويع مصادر إمدادات أشباه الموصلات.
إذا كان هناك جانب إيجابي من تحليل بلومبيرغ إيكونوميكس، فربما يكون هذا: تكلفة الأزمة البالغة 10 تريليون دولار ستكون مرتفعة للغاية بالنسبة لجميع اللاعبين، بحيث يكون الحافز لتجنبها قويا.
قد لا يكون الوضع الراهن هو النتيجة المثالية لأحد، ولكن بالنسبة لتايبيه وبكين وواشنطن فإن البدائل أسوأ. وهذا هو السبب الذي يجعل الحكم الذاتي الغامض لتايوان قد يظل نتيجة متوازنة، حتى مع تغير الظروف التي تجعله على هذا النحو.
منهجية التقديرات
بالنسبة لسيناريوهات الحرب والحصار التي قدمتها الوكالة، فقد استخدمت مجموعة من النماذج لتقييم تأثير الاضطرابات في إمدادات أشباه الموصلات، والحواجز التجارية، وصدمات الأسواق المالية.
بينما يتمثل أحد أوجه عدم اليقين الرئيسية في التحليل الذي تقدمه الوكالة في مدى إمكانية استبدال إنتاج أشباه الموصلات المفقود من تايوان بإنتاج في مواقع أخرى، أو حله من قبل شركات التصنيع، أو دعمه من المخزونات.
تفترض سيناريوهات بلومبيرغ إيكونوميكس أن كل الإنتاج الذي يستخدم أشباه الموصلات كمدخلات يجب تخفيضه بما يتماشى مع الانخفاض في توافر أشباه الموصلات: